Tuesday, December 23, 2008

احنا وصلنا (قصة قصيرة)ـ

إنه بالفعل يوم مرهقٍ و طويل، و أنا مجهد جداً و درجة الحرارة مرتفعة جداً اليوم، ثم أن الاستيقاظ المبكر لقضاء عدة ساعات أمام موظفى المصالح الحكومية لاستخراج بعض الأوراق أصبح عمل مجهد تلك الأيام. و لكن حمداً لله ها أنا ذا راكباً أحدى سيارات الميكروباص فى طريق عودتى إلى المنزل، و بغض النظر عن رائحة العرق التى تملأ جو السيارة و ضخامة حجم الراكب المجاور لى فأنا أشعر بالسعادة لعودتى الآن لمنزلى فى سلام. طوال الطريق كنت أتابع شريط البحر الموازى لطريق عودتنا، أعد الأشخاص الذين يسيرون على الكورنيش كنوع من التسلية فى طريقى.

 

"على جنب يا أسطة.." هكذا نادى جارى فى المقعد فقد وصل إلى مبتغاه ونزل و بدلاً منه صعدت فتاه كانت فى انتظار ما يقلها إلى منزلها هى الأخرى، وجدتنى أتأملها فى طريق صعودها، إنها بحق جميلة و مبهجة للنظر ذات وجه طفولى وبشرة بيضاء اللون تعتليه بعض الحمرة لتثبت شفافية بشرتها و تعلن عن لون الدماء خلفها، و يتوج رأسها شعرينساب ببساطة و حرية على كتفيها بنى اللون - أو هكذا يبدو لى لست أعلم – صانعاً تناغماً رائع مع أناقة ملابسها فيضئ وجهها بينهما. تمنينت أن أستطيع رؤية عينيها فأنا أعتقد أنهما يفوقا كل توقعاتى ولكن لم تسمح زاوية رؤيتى أن أرى عينيها، ثم بهدوءٍ أخذت مكانها بجوارى لتصبح هى جارتى فى المقعد بدلاً من ذلك الضخم، يبدو أن أحداث يومى تأخذ مجرى جديد متجهة إلى الجانب المشرق فيكفينى أن أكون جاراً لمثل تلك الفتاة و لو لبضع دقائق، حتى و إن كانت ملامحها ليست كتلك التى أرسمها فى خيالى كمقاييس للجمال.

 

إنى لست من النوع الذى ينبهر لمجرد وجود امرأة جميلة أو ينجذب لاحداهن بتلك السهولة، بل إنى انفر منهن لعلمى أن مثل تلك الفتيات تعملن كمغناطيس متحرك يجذب من حوله الرجال وأنا لست من محبى المجالات المغناطيسية؛ و لكن لأعترف لقد بعثت فىَّ تلك الفتاه راحة و هدوء عجيـبـيـن عند رؤيتها، و تمنيت أن نتجاذب أطراف الحديث بالرغم من استحالة هذا نسبة إلى المكان وخجلى من الكلام مع فتاه لا أعرفها وبدون مادة للحديث مشتركة بيننا وربما خوفاً من رد الفعل أيضاً.

 

"ممكن تفتح الشباك شوية ؟.." انساب ذلك الصوت داخل اذنىَّ بنعومة و عمق لقد كانت هى تطلب منى ذلك و أردفت قائلة "معلش .. أصل الجو حر جداً" لم أجرأ أن أنظر إليها كأننى أخاف أن أنظر إلى عينيها و مددت يدى نحو النافذة و فتحتها و فى رأسى تدور أفكار – ها هى الفرصة متاحة لك لكى تحدثها فهيا حدثها عن ارتفاع درجات الحرارة أو مصاعب استخراج الأوراق الرسمية أو حتى آخر أحداث حرب العراق و لكن انتهز الفرصة و اكسر حاجز الصمت هذا – و بالفعل كسرت ذلك الحاجز بادئاً بدرحات الحرارة المرتفعة هذه الأيام ثم تكلمنا عن المصالح الحكومية وعن عملها فى مدرسة للأطفال بعيداً عن مجال دراستها نظراً لندرة فرص العمل هذه الأيام، و للحظات بدى لى أنه لست أنا فقط من أراد لهذا الحديث أن يبدأ وكنت منبهراً بهذا الحوار الذى بدأ ونمى بسرعة وسهولة غير طبيعيتين وتعجبت لتلك الراحة التى تسللت داخلى و أنا أتكلم معها، دام الحديث طوال الطريق و نحن مستمتعين بالوقت حتى وصلنا إلى محطتنا فنادتنى قائلة "احنا وصلنا..".

 

"يا استاذ .. يا استاذ .. احنا وصلنا" اخترقت تلك الكلمات الأخيرة أذنىَّ و كان صوت أجش غليظ و بعيد كل البعد عن صوتها، فتحت عيناى مجهداً متسائلاً "هه .. فيه إيه؟" فرد على ذلك الصوت "انت مش كنت عايز تنزل المحطة ده .. احنا وصلنا" نظرت إلى مصدر الصوت لأجد بجوارى ذلك الراكب الضخم بجوارى الذى أكمل مستطرداً "أنت نايم من ساعة ما ركبت، والمحطة هتفوتك، هتنزل هنا؟" لقد فهمت الآن، اذن كنت أحلم كل تلك الفترة و لا توجد فتاه ذات شعر بنى و بشرة بيضاء، بل و أنا من سوف ينزل و ليس ذلك الراكب الضخم، بعد نظرة سريعة من خلال النافذة جاوبته قائلاً "أيوة أنا هنزل .. شكراً" وافسحت لنفسى طريق النزول وعقلى ما زال يقاوم فكرة أن يكون كل ذلك مجرد حلماً.

 

و ما أن نزلت حتى صعدت بدلاً منى فتاه شابة حسنة المنظر وان كانت بعيدة كل البعد عن صاحبة الحلم، وأخذت مكانى بجوار ذلك الراكب الضخم فارتسمت على وجهى ابتسامة ذات معنى ووقفت فى الطريق متابعاً السيارة وهى تبتعد عنى وما زالت تلك الابتسامة عالقة بشفتىَّ؛ فرأيت ذلك الراكب يمد يده نحو النافذة ليفتحه قليلاً ثم يستدير بوجهه نحو الفتاة التى بجواره متحدثاً إليها ببعض الكلمات فترد عليه.

 

وهنا .. هنا فقط انفجرت ضاحكاً وسط الطريق حتى ادمعت عيناى.